صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

294

تفسير القرآن الكريم

والبخل ، والحسد ، والكبر ، والريا ، وأشباهها . وما يترتب عليها وينبعث عنها من الفسوق والمعاصي ، فيلزم كونهم من الأشرار المردودين عن رحمة اللّه ، على أن رحمته وسعت كل شيء ، فما معنى كونه تعالى محض الرحمة التي لا جهة شريّة فيها ؟ وما معنى قول الربانيين من الحكماء : « إن الخير مرضيّ والشر مقضيّ » ؟ لأنّا نقول : لا بد أن يعلم أن الخلق الذي لا نجاة معه في الآخرة هي صفة واحدة للنفس من حيث جزئها العلمي ، وهي ضرب من الجهل وهو ما يكون مركبا مع الاعتقاد الراسخ المضادّ للحق ، وأما من حيث جزئها العملي فليس كل رذيلة توجب الحرمان عن الغفران ، بل الرذائل التي رانت على القلوب وصيّرتها فاسدة الجوهر ، كجرم المرآة التي أحاطت بها النداوة ظاهرا وباطنا وغاصت فيها وأفسدتها سطحا وعمقا ، وكون أكثر الناس فسّاقا ذوات صفات ذميمة لا يستلزم كونهم مطرودين من رحمة ربهم ، بل كما إن الجهل المركب الراسخ المضاد لليقين الذي يوجب الشقاوة الأبدية نادر كوجود اليقين الذي يوجب خيرا كثيرا وقسطا وافرا من السعادة ، والجهل البسيط الذي لا يضر في المعاد عام فاش في هذا النوع فكذلك حال القوتين الأخريين . فالبالغ في فضيلة العقل والخلق - وإن كان نادرا - كالشديد النزول فيهما لكن المتوسطين على مراتبهم أغلب وأوفر ، وإذا ضم إليهم الطرف الأعلى كانت لأهل النجاة غلبة عظيمة . وما أشبه حال الأرواح في انقسامها إلى هذه الأقسام بحسب السعادة والشقاوة الاخرويتين بحال الأبدان في انقسامها بحسب السعادة والشقاوة الدنيويتين إلى البالغ في الجمال والصحة والمتوسط فيهما - وهو الأكثر - والقبيح السقيم - وهو أقل من عدد المتوسط فضلا عن مجموع القسمين - . فإذن قد ثبت إن السعيد أكثر من الشقي ، فالحكم بأن رحمة اللّه تعالى لا تنال إلا قليلا من عباده غير صحيح ، وقد قال تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [ 7 / 156 ] . وأما خلود أهل الكفر في النار ففيه سر لا ينكشف لأحد إلا من يشاء من خلّص عباده وهو العليم الحكيم .